تاريخ الشيعة
تصغير الخط
تكبير الخط
طباعة الصفحة
  
 
 

اضغط علىى صورة الغلاف لتحميل الكتاب (PDF)
 




تاريخ الشيعة


(في لبنان وسوريا والجزيرة في القرون الوسطى)
هــذا الكتاب هو ترجمةٌ أمينة عن الأصل الفرنسيّ لـ:
Recherches historique medievales sur les Shiites du Liban,de Syrie et de la Djazira
البريـد الألكتروني
Dr.jaafarmohajer@gmail.com
المؤلف:     الدكتور محمد حمـاده.
المُترجـم:    الشيخ محمود الزين، بإشراف الشيخ د. جعـفـر المهاجر.
راجعه وعلّق عليه الشيخ د. جعـفـر المهاجـر.
الناشر:    دار بهاء الدين العاملي للنشر والتوزيع
بعلبك هاتف (009618377756)
تاريخ الشيعة
(في لبنان وسوريا والجزيرة في القرون الوسطى)
د. محمد حمادة
تـمّـت ترجمتُهُ ومُراجعتُهُ بإشراف الشيخ
د. جعفر المهاجــر
هذا الكتاب
جعفر المهاجر
في وقـتٍ ما من السنة 1974، إن لم تكُـن قـد خانتني الذّاكِـرة، اتصلَ بي الطّيّبُ الذّكــر الأُستاذ الدكتور نقولا زياده ليقولَ لي أنّ لديه كتاباً جـديـداً بالفرنسيّة هـامٌّ جــدّاً في الموضوع الأثير لـديّ يعني تاريخُ الشيعة. وعنـد أوّل لقاءٍ به أهـداني الكتاب وعليه إهـداءُ مؤلفه، مشفوعاً بوصيّـةٍ منه هو بضرورة العمل على ترجمته.
كان ذلك بدايةَ علاقةٍ حميمةٍ بيني وبين الكتاب لم تنقطع. ساهمَتْ بتكوين حَدْسـيَ الشخصي على لُـغـز انتشار التشيّع في المنطقة الشّـاميّة خلافاً لكل تهيّؤاتها الذاتيّة، وبالتالي بقيادة أبحاثي الكثيرة على الإشكاليّة نفسِها. في تلك الأثناء لم تُفارقني فكرةُ العمل على ترجمته. ولكم يُسعـدُني الآن أن أراه بحُـلّتـه الجديدة. وهـذه مُناسـبةٌ للتنويه بالجُهـــد الصادق الذي بذله الصديق العزيز فضيلة الشيخ محمود الزين في ترجمـة الكتاب.
إنّ أهميّـةَ هـذا الكتاب هي في أنّـه أوّلُ دراسـةٍ عـملتْ على تحرير تاريخ الشيعة من الأُسطورة، التي تُـقـــــدَّمُ لنا بشكل أبطالٍ وهميين، يُفسّـرون حـركـةَ تاريخٍ أكبرَ منهم بكثير. ومن هنـا فإنّ الكتاب ما يزالُ جديداً بعـد أربعين سنة من تصنيفه. وهـذا أقسـى امتحانٍ يخضعُ لـه أيُّ كتاب.
الفكرةُ الأساسيّةُ التي قادتْ عملَ المؤلف هي إقامـةُ الصِّلـة بين التركيبة السُّـكّانية لمنطقة عمله (لبنان وسوريا والجزيرة) وبين ظُهـور التشيّع فيها. وقـد نجحَ في ذلك، على الرُّغـم من أنّــه لم يلتفت إلى نقطةٍ منهجيّـةٍ سابقةٍ منطقيّاً، هي بيانُ العلاقةُ بين الحركةِ السُّـكانيّةِ وبين التركيبةِ السُّكانيّة التي وصفها وتـتـبّـعَ تاريخها في أشكالِها ومراحلِها. وإن يكُن قـــد أشار إشاراتٍ سريعة إلى العلاقة بين الهجرات الإسلاميّة الكثيفة خصوصاً إلى السواحل الشاميّة، وبين امتلاء الشام سكانياً. لقـد كان بيانُ تلك العلاقـة المُفترضَـة نقطةً ضروريّةً جــدّاً، هي التي قادتْ عملنا في كتابنا (التأسيس لتاريخ الشيعة في لبنان وسورية)، وإلا سيكون علينا أن نقـبلَ أنّ التشيّع وأنّ تلك الجماعات التي حملت لواءَه أصيلةٌ في المنطقة، ولم تحمله إليه حركاتٌ سُـكّانيّةٌ قادمـةٌ إليه من خارجـه، وهـذه فكرةٌ غير سـديدةٍ بالتأكيـد.
طبعاً، وكمـا في أيّ كتاب، فإنّ هناك أفكارٌ تفصيليّةٌ قابلةٌ للنقاش. من ذلك مثلاً تفسيرُ ضَعْف الحضور الشيعي في المكتبة التاريخيّة الإسلاميّة بسلوك الشيعة مسلكَ التقيّة. هـذا بمثابة إصبعٍ يُحاولُ أن يُخفي وراءَهُ جبلاً. وكأنّ المؤلف لم يُعانِ الكثير من عقليّة مؤرّخينا السُّـلطويين، الذين وجّهـوا عيناً عوراء إلى شـؤون العِباد، وبذلك غـيّبوا كل ما له علاقة بالتاريخ الإنساني. ومنه طبعاً تاريخ الشيعة. هـذا إلى جانب أمثلةٍ أُخرى نبّهنا عليها في بعض ما علّقناه على متن الكتاب.
ومع ذلك كلّـه، فـإنّ هـذا الكتاب يبقى مُـمـيّــزاً جــدّاً، بل فريـداً في بابه. وإننـي لأرجـو أن يجِــدَ القُــرّاءُ الكِـرامُ فيه مثلَ ماوجــدتُــهُ من فائــدةٍ ومُـتـعـة.
 
المقدمة
إن هذه الأُطروحة «بحوث تاريخية على الشيعة في لبنان وسوريا والجزيرة في القرون الوسطى» هي محاولةٌ للاضاءة على تاريخ الشيعة أثـنـاءَ القرون الوسطى. وكنتُ قـــد بدأتُ منذ عدّة سنوات بحثاً آخَـر علـى تاريخ التعليم الشيعي في جبل عامل (جنوب لبنان) أثـنـاء الحقبة العثمانية. واظنّ أن عـملي الحاضر يذهبُ في الاتجاه الأوّل نفسه.
أسبابٌ عديدة دفعتني لاختيار موضوع هذه الاطروحة، منها نصيحة أستاذي كلود كاهِـن، الذي لاحظ مثلي غيابَ الدراساتِ التاريخية على المنطقة أثناء القرون الوسطى. وخاصة على موضوع التشيّع في لبنان وفلسطين. غيابٌ يزيد من خطورته أنّ الشيعة كانوا فعّالين، منخرطين دائماً بتاريخ المنطقة، وبالأخصّ في تاريخ لبنان، حتى أيامنا هــــذه, بالرغم من محاولات عديدة لإلحاق تاريخهم بأي ثمن بتاريخ العراق وإيران. إضافة إلـى ذلك، فانّ للشيعة أهميّةٌ في حياة لبنان الحالية والمستقبلية، لأنهم على الأقـلّ يمثّلون أكثر من خُمسَـي مجموع السكّان.
إنّ الموضوع الشيعي، وان تكُن له أبعاد دينيّة، فانّ له كذلك قواعـد اجتماعية واقتصادية وسياسية، لذلك فهو يُطرح الآن ضمن إطار الحضور الرسمي داخل السلطة وتحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي داخل البلد، حيث يرتبط هذا الوضع بقّوة بالدين وحتّى بالطائفة. أخيراً، ومنذ عدة سنوات، فان الموضوع يُطرح في سوريا على صعيد النُّصيريين. كل هذا ناتج بدون أدنى شك عن تاريخ الشيعة أثناء القرون الوسطى.
ولكن تحقيق هذا العمل, قد اصطدم بعــــدّة صعوبات هـــذه البعض منها:
حرائق المكتبات: يجِـــدُ المؤرّخ نفسه أمام أربعة قرون ونصف من الظُّلمة وعدم الثّقة، تمتد من الفتح العربي حتّى وصول الصليبيين[1]. يعودُ ذلك بعض الشيء إلى ثلاثة حوادث مهمة في تاريخ الشيعة في منطقتنا أدّت إلى خسارة مكتبات الشيعة: الأُولى هي مكتبة حلب (10000 كتاب) التي احترقت بعد العام 460ه / 1068م ؛ الثانية هي مكتبة طرابلس (100000 كتاب) احترقت أيضـاً سنة 502هـ/1109م ؛ والثالثة هي مكتبة جبل عامل حيث أحرق أحمد باشا الجزار كل الكتب الشيعية في افران عكّا بعد معركة يارون 1195ه / 1780م [2].هذه الخسائر كانت نتيجتها عدم كفاية التوثيق الضعيف والمبعثر في آن.
نظرية التقيّة: التي من خلالها كل شيعي حقيقي يجِـدُ نفسَــه ليــس فـقــط مأموراً، بل مضطراً في يقينه لأن يُخفي مشاعــره الحميمة. فبين أعداء معتقداته يجب عليه ان يتكلّم ويتصرّف كما لو انه واحدٌ من أتباعهم، هرباً من اضطهادهم الذي كان رائجاً في تلك الحقبة، الذي جعل من التاريخ الشيعي تاريخ الشهداء. إنّ من نتائج هـذه النظرية سكوت معظم المؤرّخين المسلمين في القرون الوسطى بالرغم من كون معظمهم شيعة [3].
تركيز الحياة الثقافية في تلك الحقبة على العلوم الدينية وإهمالها التاريخ.[4]
صغر حدود المنطقة ومع ذلك خصوبتها بالأحداث المعقّدة المتأّثرة بعـدّة عوامل.
وجود عيوب في البحث حول الجذور اليمانيّة للتشيّع. ممّا سبب استحالة تحديد هوية كل الشخصيّات الموجودة في كتاب «البحار» للمجلسي. كما توجد ثغرة اخرى على صعيد البحث تكمن في عدم كفاية المعايير المعتمدة في التصنيف وفي الزمن.
صعوبة الوصول الى الوثائق التي تقدّمها منذ سنتين مكتبة مدرسة اللغات الشرقية الحيّة، التي تمثّل المستودع الرئيسي والخدمة الرئيسية لإعادة الاعمال الضرورية للفهم الجيّد لحقبتنا هذه.
وللخروج من هذه اللوحة السوداء، يجب التركيز الآن على الطابع الايجابي لعملي والقيام بنظرة إجمالية مختصرة للطريقة التي قادتني.
قسمتُ كتابي إلى جـزئـيَـن أساسيين. يحتوي الأول على ثلاثة محاور/ فصول: الأول هو عامٌّ نوعا ما، معالجاً التشيّع: كلمةً، ولادةً، بحثاً قَبَليّاً، بينما يعالج الاثنان الآخران مسألة انتقال سوريا من المسيحية الى السُّنيّة الرّسميّة. ويمكن اعتبار هذا المحور / الفصل تحضيراً للأرضيّة، أو تحوّل سوريا للمرحلة المستقبليّة، وإن لم يكن الطابع العام شيعيّا أبدا. فقد أردتُ مع ذلك كشف بعد التحضيرات الاكثر تعبيرا خلال عصر الخلافة الرّاشــديّة والأُموية مثلة رحلة أبي ذر الغفاري الى بلاد الشام او تاريخ أسعار... لكن المحور الثالث المتعلّق بسوريا العباسية السُّنيّة هو الاكثر أهمية: فهنا يتضح التحوّل الواضح لسوريا، إن على صعيد الانتفاضات السياسية – القبَلية، أم على صعيد التيارات المضادّة للعباسين، التي كان التشيّع جزءاً منها. فنشاهدُ في هذه الفترة هجرةً شيعية نحو سوريا ومناطق اخرى فيها الإسماعيليون والشيعة الاثنا عشريون. أمّا الفئة الاولى[5] فانها أثبتت عدم القدرة على الحلول مكان السُّنّة. لذلك فان الفترة التالية ستكون فترة الحمدانيين ثم الفاطميين.
أمّا الجــزء الثاني: سوريا الشيعية، فانه يعرض الوصولَ الى التّحوّل السابق. في سوريا الشيعية هذه عالجنا محورين: الحمْدانيّون في الجزيرة وفي سوريا الشمالية حيث تحدثتُ عن التشيّع الحمداني، الذي لم يستطع البقاء مخبّأً بالرغم من الاعتدال وتطبيق سياسة غير مُستقرّة. فقد ركّزتُ على تشيّع الحكّام والشعب، مسألةٌ احترمتُها في هـذا الجــزء الثاني كاملاً. لأن الحكّام اذا حاولوا الحفاظ على أنفسهم من خلال التغييرات التي تلقتّها بغداد، فان الشعب (بالاخصّ الطبقات الشعبية التي لم يكن لديها شيء تخسره) لم يفهموا التشيّع بهذا الشكل. امّا المحور الثاني الذي أعتبرُه أساسيّا، فقد قُسم إلى ثلاثة اجزاء حيث يعالجُ الجزءُ الأولُ والثالثُ التشيّع في سوريا الجنوبية (فلسطين) والوسطى (دمشق ولبنان). هـنـا عولجت معظم المعلومات حول التشيّع، حول نجاحاته واخفاقاته, في دمشق كما في مختلف المُـدُن اللبنانية، وبالأخصّ مُـدُن الجنوب. مع دراسة لسياسة بني الجرّاح الطائين لتحديد الى أي مدىً كانت على علاقة مع التشيّع الذي اجتاح سوريا. نفس الدراسة المعتمدة مع بني جرّاح، طُبّقت على بني عمّار الذي كان تشيّعهم لا نقاش فيه كذلك رعاياهم. الجزء الثاني من هذا المحور يعالج التشيّع في سوريا الشمالية والجزيرة حيث عولج تاريخ الامارات الثلاثة: المروانية والعُقيلية والمرداسية، حيث خضع تشيّعهم وتشيّع رعاياها لدراساتٍ على حده.
هكذا نصلُ الى إظهار سوريا شيعية جديدة، اثنا عشرية في معظمها. والتي بالرغم من احتلالها من قبل الفاطميين في الجنوب، السلجوقيين في الشّرق والصليبيين في الشمال، استمرّت بالحفاظ على طابعها المذهبي حتّى التحرّر من الاحتلال الصليبي.
لقد كان بودّي إطالة عملي هــذا ليشمل المراحل التالية: السلجوقية والزنكية والأيوبية والمملوكية والصليبية، فالأبحاثُ على هـــذه المراحل قد تمّت، والبطاقات قد استُجمعت وصُنّفت. لكنني آثــرتُ بالاتفاق مع أُستاذي الحفاظ على هـــــذه الابحاث لعملٍ لاحقٍ أرجو أن يكون أكثر تعـمّـُقاً.
إنّني أتمنّي أن يكون هذا العمل قد حاز بهذا الشكل على الدّقّـــة والكثافة المطلوبة.
[1] فيليب حتّي:لبنان / 297 ؛ هـ.لامّنس: سوريا I / 9.
[2] يمكن ان نذكر على سبيل المثال مكتبة آل خاتون التي كانت تضم 5000 كتاب .
[3] حتّي: سوريا II / 42.
[4] صفا: تاريخ جبل عامل / 15-17.
[5] على الارض السورية.