كتاب الكراجكي
تصغير الخط
تكبير الخط
طباعة الصفحة
  
 
 
اضغط علىى صورة الغلاف لتحميل الكتاب (PDF)
 





الـمُـقــدّمــة

(1)
ترجعُ علاقتي بالشيخ الكراجكي رضوان الله عليه إلى أيّام الفتُوّة الأُولى، وبدايةِ غرامي بالقراءة . كنتُ في حوالى العاشـرة ، يومَ وقعتُ في مكتبة جـدّي الشيخ حبيب رضوانُ الله تعالى عليه، على كتابٍ مطبوعٍ طباعةً عرفتُ فيما بعـدُ أنها تُسمّى حجريّة، يحملُ اسـماً جذّاباً هو (كنـزُ الفوائد). ولعلّ كلمة "كنز" هي التي جذبتني، وحرّكتْ خيال الفتى، الذي كثيراً ما استمع في السهرات العائليّة الحميمة إلى حكاياتٍ غرائبيّة ومغامرات، لا تخلو غالباً من ذكر الكنوز وما إليها. المُهمّ أنني مضيتُ في قراءته، على الرُّغم من أنني بالتأكيد لم أكُن أفهمُ الكثيرَ ممّا أقرؤه. لكنّ عقلَ الفتى الذي كُنتهُ يومذاك تعلّقَ بالكتاب. وكان يجـِدُ مُتعةً غامضةً في مُتابعةِ القراءة فيه بدأبٍ يوماً بعـدَ يوم. ويومَ اتخـذتْ الأُسـرةُ قرارَ ترحيلي إلى "النجف الأشرف" سـنة 1952م لأطلبَ العلم فيها، استأذنتُ الجَـدَّ بحملِ الكتاب. ورافقني طوالَ سـنواتِ إقامتي فيها. ثم رافقني أيضاً في رحلة العودةِ منها سـنة 1962م. وما يزالُ في مكتبتي حتى اليوم. لسـتُ أدري كم مـرةً قرأتـُه. ولكنني أكادُ أحفظُ ما فيه عن ظهرِ قلب. وهي نفسُـها النسـخةُ التي اتخذتها مصـدراً أساسيّاً لهـذا الكتاب. وأنا أُحـبُّ أن أعتقد أنّ تعلّقي ذلك التعلّق المُبكّر بالكتاب كان بمثابةِ إصبعٍ يُشيرُ إلى ما يُشبه القدر المقدور، إلى مُستقبل الأيّام الآتي. أي إلى اليوم الذي سأكتبُ فيه هذا الكتاب على مؤلفه رضوان الله عليه. متخذاً من هذه النسخة بالذات مصدراً أساسيّاً لعملي. 
وعندما دخلتُ عالَمَ البحث، بدأتُ أُلاحظُ نُدرةَ المعلوماتِ عن الشيخ الكراجكي. ومن ذلك أننا لا نجِد كتاباً خاصّاً على سـيرته. باستثناء بعض ما قدّم به ناشرو هذا الكتاب أو ذاك من مُصنّفاته. وهي لا تزيدُ على أن تكونً نقولات تجودُ من الموجود، مُجرّدُ أقوالٍ مكرورة مُعادَة، لا تُضيفُ جديداً ولا تُعالجُ إشكاليّة من الإشكاليّات الكثيرة التي تطرحها سيرة الرجل مُعالجةً جادّةً. فطفقتُ لا أُفـوّتُ فُرصةً لتسجيلِ ما يقعُ تحتَ يـديّ عنه ، أو ما يعِنُّ لي من مُلاحظاتٍ ذات علاقـةٍ 
بهـذا أو ذاك من شـؤونه. أضعُها في مُغلّـفٍ خاص، ظلّ ينمو باستمرار، بحيثُ أضطرُّ دائماً إلى اسـتبداله بآخـرَ أكبرَ حجماً. وهو من أوائل الملفّات التي تحتلُّ مكاناً رحْباً في الخزانةِ المُخصّصة لمثله. 
وعندما عقدتُ العزمَ على الشّروع في هذا الكتاب، كان المُغلّف قد غـدا ضخماً سميناً، حافلاً بمختلف القصاصات والاقتباسات مُصوّرةً أو منسوخة. هذا بالإضافة إلى الاهتمام البالغ الذي أولاه الأخ العزيز الشيخ رضا مُختاري لجمع المعلومات وتصوير الأصول. والحقيقة أن ذلك كلّه قـد أعانني كثيراً في تصنيف هـذا الكتاب. إلى درجةِ أنني أتساءل الآن: هل كنتُ لولا هذا وذاك سأصبرُ نفسي على تقميش مثلِ المادّةِ التي وجدتُها جاهزةً عند الشّروع ؟ 
(2) 
بُغيتي فيما أنا مُقبلٌ عليه من صفحاتِ هـذا الكتاب، أن أضعَ تعريفاً شـاملاً، أو هو أقرب ما يكون إلى الشمول، بالكراجكي. يتناولُ جوانبَ سـيرتَهُ وضروبَ أعمالَه. يحدوني إلى ذلك شـعورٌ حادٌّ بأنه مهضومُ الحقّ، مَنكورُ الفضل. نحن الشـيعةُ معروفون بإجلالنا الكبيرلذوي الأثـَر من علمائنا الماضين ، نذكرُ فضلهم، ونتداولُ أعمالهم، ونذكرهم بالرحمة وطلبِ الرضوان. لكنّ الكراجكي، مع الاعتراف بفضله ومكانته عند الخواص، منكورٌ عمليّاً عند مَن ينبغي أن يكونوا أولى الناس بمعرفته والتعريف به وبأعماله. حتى لقبه "الكراجكي" غيرُ مألوفٍ عندَ أكثرنا. فإذا أنت أطلقته، فإنّ الرّجْـعَ الذي سيأتيكَ غالباً: مَن هو هـذا ؟ 
هناك سببٌ آخَر ذو ملمحٍ شخصيّ، سـأُدلي به الآن، مع علمي بأنه ينطوي على مُصادرةٍ على البحث واسـتباقٍٍ لنتائجه . وذلك أمرٌ يتجنّبُ الباحثُ المنهجيُّ بحقّ الإدلاءَ به في مُقدّمة بحثه. ومع ذلك فإنّني سأقوله بوصفه حافزاً شخصيّاً، دون أن أفرضه فرضاً على القارئ. ذلك أنني، أنا ابنُ المنطقة التي عملَ فيها الكراجكي، أراني أحملُ دَيناً كبيراً له في عُنُقي. لستُ أجـِدُ سـبيلاً لوفاء بعضه إلا بأن أُنوّهَ بصاحبه وبأعماله، وأعملَ كلّ ما في وسـعي ليأخذَ حقّه من الذكر الحميد بين مَن أن ينبغي أن يعرفوه ويذكروه. وهـذا أضعفُ الإيمان. ذلك أنـّه هو الذي كان
 الرّائدَ الأوّلَ لأسـلافي، إذ حملَ إليهم ما سـما بثقافتهم الخاصّة إلى معارجها
 العالية، فأثمرتْ نهضةً إثرَ نهضة. ما نزالُ نتفيّـأ ظلالها الوارفة حتى الآن. وهذه إشارةٌ أعرفُ جيّداً أنها غامضة. أرجو أن يودعَها القارئُ مؤقّتـاً ذهنَه . على أن نوضحها ونُضيئها، إن شاء الله تعالى، في مطاوي البحث الآتية. 
(3)
سنقسمُ مادّةَ الكتاب إلى أربعة فصولٍ أساسيّة. كلّ فصلٍ يُعالجُ إشكاليّةً من إشكاليّات البحث، أو يُجيبُ على تساؤلٍ أو سؤالٍ تطرحهُ المادّةُ الأوّليّة التي بين يدينا. 
ـ في الفصل الأوّل "عصرُ الكراجكي" سـنتناول واصفين من ملامحِ العصر الذي عاش فيه ما نرى أنه وثيقَ الصّلة بسيرته وأعماله. يُملي ذلك علينا ضرورةُ أنه ما من سبيلٍ لفهمِ وتقييم أعمالِ البشـر إلا بالنظر إلى ظرفها ومواصفاته. 
ـ الفصل الثاني "السّـيرة الأوّليّة" سـنُخصّصه للسّيرة الأساسـيّة للكراجكي. نعني بوصف "الأوّليّة" / "الأساسيّة" ما هو مُشتَرَكٌ مع سـيرة أيّ إنسان من شـؤون حياته. ممّا يُعنى به كاتبُ أيّ سـيرة. 
ـ في الفصلُ الثالث "عالَمه الفكري وأعماله" . سنبدأ به استثمارَ ما وصلنا إليه من معلوماتٍ ونتائج في الفصليَن السابقيَن. فنُجيبُ عن سؤاليَن أساسييَن، هما: ما هي خصوصيّة الكراجكي ؟ كيف تفاعلَ مع مواصفات الواقع الذي اضطرب فيه ؟ 
في الفصلُ الرابع والأخير "مُصنفاته" حيث سنحاولُ تقديم أوفى إحصاءٍ تُتيحهُ لنا المصادرُ التي بين ايدينا لمُصنفاته من كُتُـبٍ ورسائل. ومن الغنيّ عن البيان أنّ هذا الفصل هو، في وجهٍ من وجوهه، مُتابعةٌ لِما بدأنا به في الفصل السابق. 
في الـ "ختام" سـنُتوّجُ البحثَ باســـــتعراضِ النتائج التي وصلَ إليها. مع عنايةٍ خاصّةٍ بالتنويـــه بالمواطن التي أضاف فيها البحثُ إضافةً تســـــتحقُّ الذكر، إلى ما هو معروفٌ ومُتـــــداوَل من ســــــــيرة وأعمال الكراجكي. ابتغاءَ مُســــــاعدة القارئ ، الذي لا اطّلاع له على مُسـتوى الأبحاث والأعمال في نطاق اهتمام الكتاب ، على الإضافة أو الإضافات التي نجـــحَ كتابُنــــا في تحقيقها. ســــــــواءٌ على مُســـــتوى تصحيحِ ما هنالك مــن
 أخطاء، أم على مُسـتوى التّحـرّر من بعض الأوهام، أم على مُسـتوى اكتشاف مواطن الأصالة في أعمال صاحب السّـيرة والتنويه بها. 
(4) 
بالنسـبة للمصادر الأساسيّة التي اعتمدناها في البحث نقول: 
إنّ أكثرها أهميّةً هي مُصنفاتُ الكراجكي نفسه. حقاً أن الرجل لم يعمَـدْ إلى تظهير صورته فيها، ولم يتحـدّثْ عن نفسـه في قليلٍ ولا كثير. ولكنه في نطاقِِ تسجيل ما سـمعه من الحديث، وهو يتجوَل في الأقطار، كثيراً ما ذكـر مكان السّـماع. كما أنه كثيراً ما أتى على ذكر التاريخ الذي كتبَ فيه بعضَ مُصنفاته، أو لمَن كتبها أو وجّهها أو توجّـهَ بها. وبذلك كلّه قدّمَ لنا منبعاً غنيّاً بالمعلومات. وأعاننا على عِمارة سـيرةٍ مبسوطةٍ له. كان من غير المُمكن عمارتُها بذلك البَسْـط من دونها. بالنظرِ إلى بؤس المصادر في منحنا صورةً وافيةً عنه وعن سيرته وأعماله. 
ثم إن مُصنفاته هي مصدُرنا الأساسي جدّاً لمعرفة أفكاره. ذلك أنه، شأن َ عامّةِ أهل القلم، أودعَ فيها جُملةَ أفكاره وحوافزه الفكريّة وآرائه. وهذا واضح. 
في الدرجة الثانية من حيث الأهميّة تأتي مجموعةٌ من المصادر الأمّهات. في مقدّمتها (معالم العلماء) لابن شـهرآشوب المازندراني. وهو مؤلفٌ إيراني الأصل، ولكنه عاش وكتبَ في "حلب" بعد الكراجكي بمُـدّة. وبذلك أُتيحَ له أن يُسـجّل، فيما علّقه على سـيرة الكراجكي، بعضَ معالم صورة صاحبنا، كما كانت ما تزال حيّـةً في أوساط الشيعة في المنطقة. وأيضاً (لسان الميزان) لابن حجر العسقلاني، ليس لأصالته بنفسه. ولكن لأنه اقتبـس، فيما ترجم به للكراجكي، عن كتاب ابن أبي طيّ الحلبي المفقود (رجال / تاريخ الشـيعة /الإماميّة). وهـذا كاتبٌ حلبيٌ ثانٍ، عاش في المدينة نفسها. وثنّى على عمل سابقه المازندراني في هذا النطاق، وإن بنحوٍ أوسـع بكثير، ولكنّ كتابه مفقودٌ حتى الآن من أسـف. ولم يبقَ منه إلا ما اقتبسه عنه المُصنفون، وفي رأسـهم ابن حجرالعسقلاني. 
   طبعاً ، هناك مجموعةٌ من المصادرالأقلّ أهميّةً بالنسبة لفائدتها فيما خصّ ســـيرة 
الكراجكي. نذكر منها (الفهرست) لمُنتجَب الدين الرازي، و(أمل الآمل) لمحمد بن الحسن الحرّ العاملي، وما ترجم له به في (مُستدرَك وسائل الشيعة) للمُحدّث النوري ،  و(رياض العلماء) لعبد الله أفندي ، و(روضات الجنات) لمحمد باقر الخوانساري ، و(طبقات أعلام الشيعة) لآغا بُزُرك الطهراني. مع تنويهٍ خاصٍ بكتاب شـيخنا الطهراني (الذريعة إلى تصانيف الشيعة). ذلك أنه سـجّل، حيث عرضَ لمصنفات الكراجكي في كتابه، مُلاحظاتٍ ثمينة كان قد وقع عليها أثناء تنقيبه الصبور في المكتبات الخاصّة والعامّة. 
هـذا، فضلاً عن عـددٍ من المصادر غير الشيعيّة، التي زوّدتنا بصورةٍ للكراجكي في الغاية من حيث الأهميّة. ذلك لأنها أتتْ من منظورٍ مُختلف تماماً. أعنى كما جـرى تظهيرُها في الأوساط غير الشيعيّة. وإن تكُن في الوقت نفسـه قد عكسـتْ موقعه العالي في الأوسـاط الشيعيّة. نخصُّ بالذكـر منها كتابا الذهبي  (تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام) و (العِبَـر في خبر مَن غبَـر)، وكتاب الصفـدي (الوافي بالوفيات). وهـذا من أكثر كُتّاب السّـيرة خبرةً بأعلام "الشـام" خصوصاً. 
بالنسبة لمصادرالكتاب فيما خصّ مُصنفات الكراجكي. فإنّ مصدرنا الأساسي هو الفهرست شـبه الشّامل لها، الذي كُتب في حياته. وسـنُعرّفُ به، مع دراسةٍ نقديّة، تتناولُ بحثاً على كاتبِ هذا الفهرست، وعلى متنه كما وصلنا بصورتيَه. وذلك في المدخل الذي سـنُهيّء به للفصل الأخير من الكتاب. 

والحمــد لله رب العالميـن
بعلبـك في 19 / ربيع الآخر 1431هـ

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق لوحة المفاتيح العربية
رمز التأكيد